عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
315
اللباب في علوم الكتاب
فصل في صوم الجنب مذهب أبي هريرة والحسن بن صالح ؛ أنّ الجنب إذا أصبح قبل الاغتسال ، لم يكن له صوم « 1 » ، وهذه الآية تبطل قولهم ؛ لأنّ المباشرة ، إذا أبيحت إلى انفجار الصّبح ، لم يمكنه الاغتسال إلّا بعد الصّبح . ويؤيّده ما ورد عنه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه كان يدركه الفجر ، وهو جنب من أهله ، ثم يغتسل ويصوم « 2 » ، واللّه أعلم . فصل [ في حقيقة الليل ] زعم الأعمش أنه يحل الأكل والشّرب والجماع بعد الفجر ، وقبل طلوع الشمس ؛ قياسا لأوّل النهار على آخره ؛ فكما أن آخره بغروب الشّمس ، وجب أن يكون أوله بطلوع الشّمس ، قال : إن المراد بالخيط الأبيض ، والخيط الأسود في الآية الكريمة هو اللّيل والنّهار ، قال : ووجه التشبيه ليس إلّا في البياض والسّواد ؛ لأن ظلمة الأفق حال طلوع
--> ( 1 ) ويندب للصائم أن يغتسل عن حدث أكبر ليلا ، ليكون على طهر من أول الصّوم ، فيؤدي العبادة على طهارة ، ويندب له إن لم يغتسل أن يغسل ما يخشى وصول الماء منه إلى الجوف ؛ كالأذن والدبر . وإنما كان الغسل من الحدث الأكبر ليلا مندوبا لا واجبا ؛ لما روي عن السيدة « عائشة » و « أم سلمة » - رضي اللّه عنهما - ؛ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم - « كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ، ثمّ يصوم في رمضان » . ولما روي عن السيدة « عائشة » أيضا ؛ أنّ رجلا قال : يا رسول اللّه ، تدركني الصّلاة وأنا جنب ، أفأصوم ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وأنا تدركني الصّلاة وأنا جنب ، وأصوم . وأما ما روي عن « أبي هريرة » - رضي اللّه عنه - ؛ أن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « من أصبح جنبا ، فلا صيام له » ، فقيل : إنه ضعيف ، وقيل : هو محمول على من أصبح مجامعا واستدام الجماع إلى ما بعد طلوع الفجر . وقال « ابن المنذر » : أحسن ما سمعت في حديث « أبي هريرة » - أنه منسوخ ؛ لأن الجماع كان محرما في صدر الإسلام على الصائم بعد النّوم في الليل ؛ كالطعام والشراب ، فلما أباح اللّه الجماع إلى طلوع الفجر ، جاز للجنب الصوم ، إذا أصبح قبل الغسل . ويؤيّد كلام ابن المنذر قول اللّه تعالى : « أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ » . والرّفث : الجماع ، وقد أحلّه اللّه - تعالى - في جميع اللّيل ، ولو في اللّحظة الأخيرة قبل طلوع الفجر ، وهذا يقتضي أن يصبح فاعل ذلك جنبا ، ولا يبطل صومه ، لأنه لو كان يبطل به صومه ، لما أحلّه اللّه . ويؤيد دعوى النسح : رجوع « أبي هريرة » عن الفتوى بذلك ؛ كما في رواية « البخاري » : أنه لمّا أخبر بما قالته السّيدة عائشة وأمّ سلمة في الحديث السّابق ، قال : هما أعلم برسول اللّه ، - صلى اللّه عليه وسلم - . وقد نقل « النووي » الجمع بين ما قالته السيدة « عائشة » و « أم سلمة » ، وما رواه أبو هريرة ؛ بأنّ ما رواه أبو هريرة محمول على الأفضل ، وما روت السيدة عائشة و « أم سلمة » محمول على بيان الجواز . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 71 ) كتاب الصوم باب اغتسال الصائم ( 1930 ) ومسلم « كتاب الصيام » باب 13 رقم ( 76 ) والترمذي ( 779 ) وأحمد ( 6 / 38 ) ، ( 6 / 308 ، 313 ) والبيهقي ( 4 / 214 ) والحميدي ( 199 ) وعبد الرزاق ( 7397 ) وابن أبي شيبة ( 3 / 81 ) والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 2 / 104 ) وفي « مشكل الآثار » ( 1 / 229 ) .